إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
1115
زهر الآداب وثمر الألباب
منها فأبت ، وقالت المرأة : أصلح اللَّه الأمير ، هذا ابني ، كان بطني وعاؤه ، وحجرى فناؤه ، وثديى سقاؤه ، أكلؤه إذا نام ، وأحفظه إذا قام ؛ فلم أزل بذلك سبعة أعوام ، فلما استوفى فصاله ، وكملت خصاله ، واستوكعت أوصاله « 1 » ، وأمّلت نفعه ، ورجوت عطفه ، أراد أن يأخذه منى كرها ، فآدنى أيها الأمير ؛ فقد أراد قهري ، وحاول قسرى . فقال أبو الأسود : هذا ابني حملته قبل أن تحمله ، ووضعته قبل أن تضعه ، وأنا أقوم عليه في أدبه ، وأنظر في تقويم أوده « 2 » ، وأمنحه علمي ، وألهمه حلمى ، حتى يكمل عقله ، ويستكمل فتله . فقالت المرأة : صدق أصلحك اللَّه ؛ حمله خفّا ، وحملته ثقلا ، ووضعه شهوة ، ووضعته كرها . فقال زياد : أردد على المرأة ولدها ؛ فهي أحقّ به منك ، ودعني من سجعك . [ عظات ووصايا ] قال الأصمعي : بلغني أن بعض الحكماء كان يقول : إني لأعظكم ، وإني لكثير الذنوب ، مسرف على نفسي ، غير حامد لها ، ولا حاملها على المكروه في طاعة اللَّه . وقد بلوتها فلم أجد لها شكرا في الرضاء ، ولا صبرا على البلوى . ولو أن أحدا لا يعظ أخاه حتى يحكم أمره لترك الأمر . . . . ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس ، وتذكير من النسيان ، واعلموا أن الدنيا سرورها أحزان ، وإقبالها إدبار ، وآخر حياتها الموت ، فكم من مستقبل يوما لا يستكمله ، ومنتظر غدا لا يبلغه ؟ ولو تنظرون الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره . جمع عبد الملك أهله وولده فقال : يا بنى أميّة ، ابذلوا نداكم ، وكفوا أذاكم ، وأجملوا إذا طلبتم ، واغفروا إذا قدرتم ، ولا تلحفوا إذا سألتم ، ولا تبخلوا إذا سئلتم ؛ فإن العفو بعد القدرة ، والثناء بعد الخبرة ، وخير المال ما أفاد حمدا ونفى ذما
--> « 1 » استوكعب : كملت وتمت ، وأوصاله : أعضاؤه ( م ) « 2 » أوده : اعوجاجه وميله ، وتقويمه : تعديله ( م )